ابن أبي الحديد

319

شرح نهج البلاغة

( 124 ) الأصل : توقوا البرد في أوله ، وتلقوه في آخره ، فإنه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار ، أوله يحرق ، وآخره يورق . * * * الشرح : هذه مسألة طبيعية قد ذكرها الحكماء ، قالوا : لما كان تأثير الخريف في الأبدان ، وتوليده الأمراض كالزكام والسعال وغيرهما أكثر من تأثير الربيع ، مع أنهما جميعا فصلا اعتدال ، وأجابوا بأن برد الخريف يفجأ الانسان وهو معتاد لحر الصيف فينكأ فيه ، ويسد مسام دماغه ، لان البرد يكثف ويسد المسام فيكون كمن دخل من موضع شديد الحرارة إلى خيش بارد . فأما المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع فإنه لا يكاد برد الربيع يؤذيه ذلك الأذى لأنه قد اعتاد جسمه برد الشتاء ، فلا يصادف من برد الربيع إلا ما قد اعتاد ما هو أكثر منه ، فلا يظهر لبرد الربيع تأثير في مزاجه فأما لم أورقت الأشجار وأزهرت في الربيع دون الخريف ؟ فلما في الربيع من الكيفيتين اللتين هما منبع النمو والنفس النباتية ، وهما الحرارة والرطوبة وأما الخريف فخال من هاتين الكيفيتين ومستبدل بهما ضدهما ،